ابن قتيبة الدينوري

354

الشعر والشعراء

وإنّك مقمر ! فذهبت مثلا ، وجعل الرجل يلهزه ويقول : يا خبيث استأسر ، فلم يعبأ به ، فلما آذاه ضمّه سليك ضمّه ضرط منها وهو فوقه ! فقال سليك : أضرطا وأنت الأعلى ( 1 ) ! فذهبت مثلا ، ثم قال له : ما شأنك ؟ فقال : أنا رجل فقير ، خرجت لعلَّى أصيب شيئا ، قال : انطلق معي ، فخرجا فوجدا رجلا قصّته ( مثل ) قصّتهما ، فأتوا جوف مراد ، وهو باليمن ، فإذا فيه نعم كثير ، فقال سليك لهما : كونا ( منى ) قريبا حتّى آتى الرّعاء فأعلم لكما علم الحىّ أقريب هو أم بعيد ، فإن كانوا قريبا رجعت إليكما ، وإن كانوا بعيدا قلت لكما قولا أحي به ( إليكما ) ، فأغيرا ( على ما يليكما ) ، فانطلق حتّى أتى الرّعاء ، فلم يزل بهم يتسقّطهم حتّى أخبروه خبر الحىّ ، فإذا هو بعيد ، فقال لهم السّليك : ألا أغنّيكم ؟ قالوا : بلى ، فرفع عقيرته ، يتغنّى : يا صاحبىّ ألا لا حىّ بالوادي * إلَّا عبيد وآم بين أذواد ( 2 ) أتنظران قليلا ريث غفلتهم * أم تعدوان فإنّ الرّيح للعادى ( 3 ) فلمّا سمعا ذلك اطَّردا الإبل فذهبا بها ( 4 ) . 626 * قال أبو عبيدة : بلغني أنّ السليك رأته طلائع جيش لبكر بن وائل جاؤوا ليغيروا على تميم ولا يعلم بهم ، فقالوا : إن علم السّليك بنا أنذر قومه ،

--> ( 1 ) مجمع الأمثال 1 : 368 - 369 . ( 2 ) قال المفضل الضبي : « آم : جمع أمة إلى العشر ، ثم إماء لما بعد العشر » . والبيت في اللسان 18 : 47 . ( 3 ) الريح هنا : الغلبة والقوة . والبيت في اللسان 3 : 283 ونسبه لتأبط شرا أو للسليك ، ثم قال : « قال ابن برى : وقيل الشعر لأعشى تميم ، من قصيدة أولها » وذكر بيتين . ولعل الشعر تغنى به السليك فقط ، لم يكن من قوله . ( 4 ) هذه القصة منقولة من أمثال العرب للضبى 13 - 14 مع خلاف يسير ، وعقبها هناك بخبر آخر عن السليك .